أفلوطين

89

أفلوطين عند العرب ( أثولوجيا )

وجربت الشئ وعلمته بالتجربة ، فإن ذلك مما يزيدها بمعرفة الخير علما وبيانا ، وهو خير من أن تكون تعلم الشئ بعلم فقط لا بالتجربة « 1 » . ونقول : كما أن العقل لا يقوى على الوقوف في ذاته لما فيه من القوة التامّة « 2 » والنور الفائض ، لكنه يحتاج إلى الحركة والسلوك إمّا علوا وإمّا سفلا ، ولا يقوى على أن يسلك علوا فيفيض نوره على ما فوقه لأنه ليس فوقه شئ مبدع فيفيض عليه نوره لأن الذي فوقه إنما هو المبدع الأوّل ، فمن أجل ذلك سلك سفلا بالناموس المضطرّ الذي جعل فيه المبدع الأوّل وأفاض نوره وقوّته على الأشياء التي تحته إلى أن بلغ النفس فلما بلغها « 3 » وقف ، ولم يتعدّها ، لأن النفس هي آخر العالم العقلي - كما قلنا مرارا . فلمّا هبط العقل إلى أن صار إلى النفس وأثر فيها ما أثر خلّى بينها وبين سائر الأفاعيل ، ورجع أيضا فصعد « 4 » علوا إلى أن بلغ العلة الأولى ووقف هناك ولم يهبط سفلا لأنه علم بالتجربة أن المكث هناك والتعلق به - أي بالعلة الأولى - أفضل وأكثر فائدة « 5 » من النور والقوة وسائر الفضائل . كذلك النفس لما كانت ممتلئة نورا وقوّة وسائر الفضائل لم تقدر على الوقوف في ذاتها لعلة أن تلك الفضائل فيها تشويقها « 6 » إلى الفعل ؛ فسلكت سفلا ولم تسلك علوا لأن العقل لم يكن يحتاج إلى شئ من فضائلها لأنه هو علة فضائلها . فلما لم تقو على السلوك علوا سلكت سفلا فأفاضت من نورها وسائر فضائلها على كل ما تحتها وملأت هذا العالم نورا وحسنا وبهاء . فلما أثرت في هذا العالم الحسى ما أثّرت كرّت راجعة إلى عالمها العقلىّ وتمسكت به ولزمته وعلمت علما لا شكّ فيه أن العالم العقلي أكرم وأشرف من العالم الحسى وأدامت النظر إليه ولم تشتق الرجوع إلى هذا العالم البتة .

--> ( 1 ) ص : إذا كان العالم ضعيف الطبيعة فمن جرب الشر وعلمه بالتجربة ، فإن ذلك مما يزيده بمعرفة الخير علما وبيانا من أن يكون يعلم الشر [ وعلمه بالتجربة فإن ذلك مما يزيده بمعرفة الخير علما وبيانا من أن يكون يعلم الشر ] علما فقط لا بالتجربة . ( 2 ) ح ، ص : الثابتة . ( 3 ) ح : بلغ النفس . ( 4 ) ط : وصعد . ( 5 ) ح ، ص : إفادة . ( 6 ) ح : تشوقها .